إسلاميات

الصبر على اابتلاء الإعاقة

بسم الله الرحمن الرحيم
وضع المعاق بين المسلمين، هذا موضوع دقيق جداً، أقول لكم بادئ ذي بدء القلب يمرض، أحد أمراض القلب خطأ في التصور، أن تعتقد شيئاً خلاف الواقع، أو أن تعتقد شيئاً لا يؤيده الحق، أبدأ هذه الفكرة بقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] الله عز وجل ما أقر مقولته هذه قوله، الغني أحياناً يتوهم أن الله يحبه، والدليل أنه أعطاه مالاً، هل غاب عن ذهن هذا الغني أن الله أعطى قارون المال ومفاتيح خزائن قارون لا يستطيع حملها سبعة رجال، وبالمقابل أعطى سيدنا عثمان المال الوفير، أعطى سيدنا عبد الرحمن بن عوف المال الوفير، هل المال إكرام؟ لا، هو إكرام إذا أنفق في طاعة الله، إذاً هو نعمة موقوفة على طريقة استعمالها: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] ليس المال أو الغنى مقياساً لمحبة الله إطلاقاً : لذلك العوام لهم كلمات مضحكة، يقول لك أحدهم: إذا الله أحب عبده أراه ملكه، أي إذا ركب هذه الطائرات، وسافر إلى منتجعات سياحية، وغاص في المعاصي إلى قمة رأسه، معنى ذلك أن الله يحبه، كلام مضحك، سيد الخلق وحبيب الحق حدوده دمشق مكة والمدينة فقط، هذه المقاصف الحديثة ما رآها النبي عليه الصلاة و السلام، وهو سيد الخلق وحبيب الحق. أول نقطة: خطأ في التصور، أن تتصور أن الله إذا أعطى الدنيا إلى فلان فهو يحبه، هو قد يحبه، لكن لا لأنه أعطاه الدنيا، ما دامت الدنيا تعطى لمن يحب، ولمن لا يحب، إذاً ليست مقياساً للمحبة، ما دام المال أعطي لسيدنا ابن عوف، وسيدنا عثمان، وأعطي لقارون، إذاً ليس المال مقياساً لمحبة الله إطلاقاً، ومادام النبي كان فقيراً، وقد يكون الكافر فقيراً إذاً، والفقر ليس مقياساً، لكن الإنسان بشكل سطحي يظن إذا كان غنياً أن الله يحبه، و إذا كان فقيراً أن الله لا يحبه: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] مقولته هو، توهمه: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] فيقول توهماً أو خطأ. الحظوظ ليست نعمة ولا نقمة إنما هي حظوظ موقوفة على طريقة التعامل معها : رد الله عز وجل: ﴿ كَلَّا ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، هذا الكلام هل المال نعمة؟ لا، نقمة؟ لا، ما هو إذاً؟ حظ موقوفة صفته على طريقة إنفاقه، هل الزوجة الكاملة نعمة أم نقمة؟ لا نعمة ولا نقمة، حظ موقوف على طريقة تعامل الزوجة معك، إن قضى حاجته منها ولم يعبأ بدينها، وإن شغلته عن طاعة الله، وإن حملته على معصية الله، وإن دفعته إلى كسب المال الحرام كي يرضيها فهي نقمة، وإن كانت طيعة تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، ولم تحمله فوق طاقته، ولم تكلفه ما لا يستطيع، ولم تدعه إلى معصية إرضاء لنزواتها فهي نعمة، تابع هذا الكلام، الذكاء إن استخدمته في الإيقاع بين الناس، وفي ابتزاز أموال الناس، وفي إيهامهم فهو نقمة، وإن استخدمت الذكاء في تعريف الناس بربهم فهو نعمة، وسامة المنظر الوسيم إن استخدم وسامته ليكون عنصر خير في المجتمع فهو نعمة، وإن استخدم وسامته ليغري الفتيات فهو نقمة، كل الحدود التي يمكن أن يمنحها الله للإنسان نعمة إذا وظفت في طاعة الله، ونقمة إذا وظفت في معصية الله، أوضح مثل المال: دعينا إلى افتتاح مسجد في يعفور قبل سنوات، الذي بنى المسجد متألق، بيت بناه لله، دعا علماء دمشق، وأقيم حفلاً، وألقيت كلمات، وصافحنا واحداً وَاحداً، وشعرت به ممتلئاً، نفسه تنمو بهذا العمل، خرجت من المسجد على الضفة الثانية ملهى فيه كل الموبقات هذا أنفق عليه مال، وهذا أنفق عليه مال، فلذلك يجب أن نعتقد بادئ ذي بدء أن الحظوظ ليست نعمة ولا نقمة إنما هي حظوظ موقوفة على طريقة التعامل معها، إن وظفتها في طاعة الله فهي نعم، وإن وظفتها في معصية الله فهي نقم، نعود إلى الآية: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [ سورة الفجر: 15-16] الحظوظ التي في الدنيا وزعت توزيع ابتلاء وستوزع في الآخرة توزيع جزاء : الرد الإلهي: ﴿ كَلَّا ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، هذا الكلام من عنده مشكلة صحية، مشكلة اجتماعية، مشكلة مالية، مشكلة أسرية، مشكلة نفسية، هذه المشكلة ليست نعمة من الله، وليست إهانة من الله، إنما هي ابتلاء، إنما هي تقريب، دواء، تقريب من الله عز وجل، فأكبر مرض من أمراض القلب أن يخطئ التوهم، أن يخطئ التصور، أن يعتقد اعتقاداً غير صحيح. فإذا إنسان ابتلاه الله عز وجل بشيء، ابتلاه بنقص في حواسه الخمس، أو بنقص في صحته، أو نقص في ماله، أو نقص في زواجه فرضاً، أو عنده مشكلة في عمله، في بيته، في أسرته، في أولاده، في صحته، في دخله، هذا ليس إهانة للإنسان وليس نقمة عليه إنما هو دواء، إنما هو تقريب، لذلك نحن في دار ابتلاء لا يوجد وصف لهذه الدنيا أبلغ من أنها دار ابتلاء، دار امتحان. دققوا أيها الأخوة، الحظوظ التي في الدنيا وزعت توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، وزعت توزيع بلاء وسوف توزع توزيع جزاء، كلام دقيق جداً، أنت في الدنيا وكنت في جامعة ما هي المقررات؟ ما هي مواد الامتحان؟ أنا أقول لك ما هي مواد الامتحان في الدنيا للمؤمنين؟ كل شيء من حظوظ الدنيا مالك منه شيء، فهذا الحظ مادة امتحانك مع الله، وكل حظ من حظوظ الدنيا منعت منه مادة ثانية، أنت ممتحن فيما أعطيت وأنت ممتحن فيما أُخذ منك، ممتحن فيما نلته من الله وممتحن فيما زوي عنك منه. من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة و السلام، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغاً لِي فِيمَا تُحِبُّ )) [الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ] الله تعالى عندما يأخذ من العبد بعض الصحة يعوض عليه قرباً وتجلياً وتوفيقاً : الإنسان له طموح بشيء لم ينله لا يحترق قلبه كل حياته، يقول لك: والله هذه الزوجة لم أتوفق بها، يوجد شخص يندب حظه في الحياة لعل الله يعرف أن مقاومتك هشة، لو جاءتك زوجة كما تتمنى، وكما تريد في القمة لعبدتها من دون الله، ولأطعتها ونسيت أمر الله، ولأكلت المال الحرام إرضاء لها، فاجعل قول الإمام الغزالي شعاراً لك: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، ليس في الإمكان أبدع مما كان، ما أنت فيه هو قمة الكمال بالنسبة إليك. اسمحوا لي بمثل من عالم السيارات: السيارة الشاحنة نقص مكان الركاب كمال فيها لأن مهمتها شحن البضاعة، فيها غرفة صغيرة تتسع للسائق ومعاونه، الأكبر مساحة للبضاعة، فنقص مكان الركاب كمال فيها، أما مركبة نقل الركاب أكبر مساحة للركاب وأقل مساحة للحاجات، كمال فيها نقص مكان حقائب السفر، في مركبة الركاب كمال فيها، يوجد سيارة ثالثة سيارات السباق أكبر مساحة للمحرك، ثلثي المساحة للمحرك، ومكان للسائق فقط، وهو بمستوى الأرض أي بمستوى العجلة هذا كمال فيها، أحياناً يكون النقص هو الكمال، أحياناً نقص المال هو الكمال، أحياناً نقص الصحة هو الكمال، يا داود مرضت فلم تعدني، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. سبحان الله يأخذ الله من العبد بعض الصحة ويعوض عليه قرباً وتجلياً وتوفيقاً وأمناً وراحةً وتألقاً. منطلق الدرس قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ*كَلَّا ﴾ [ سورة الفجر: 16-17] الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء. تفضيل الله عز وجل بعض خلقه على بعضهم الآخر وهذا ليس مقياساً في الدنيا : كنت أذكر قصةً تناسب هذا المقام، مرة دخلت إلى بيت في أفخم أحياء دمشق صاحب البيت قال لي: مساحة البيت أربعمئة متر، قلت له: هنيئاً لك ما شاء الله، هذا البلاط جئت به من إيطاليا، شيء جميل، قال لي: هذه اللوحة، هذه القطعة من الأثاث أمضى وقتاً طويلاً في الحديث عن مستوى الأثاث، وعن مساحة البيت، وعن موقع البيت، وعن ثمن البيت، أردت أن أنفع نفسي وأنفعه بشيء ذكرت له بيتاً في أفقر أحياء دمشق، وتحت الأرض، وشمالي، وغير مكسو، وفيه رطوبة، ومن دون أبواب، الله ألهمني صورة قاتمة جداً لبيت غير معقول لا يسكن فيه، قلت له: هل توازن بين هذين البيتين؟ قال: لا يوجد نسبة، عرضت عليه موازنة أخرى بين أعلى طبيب جراح وبين ممرض، مهمته تنظيف من عندهم سلس في البراز والبول، مسافة كبيرة جداً، بين أستاذ في الجامعة يحمل دكتوراه وأستاذ ذو كرسي وبين معلم في قرية يحمل طعامه وشرابه هو المدير والمعلم والآذن، فرق كبير جداً، بين رئيس غرفة تجارة وبين بائع صحون بأسواق دمشق كلما شاهد شرطياً يهرب منه، تاجر بتاجر، أستاذ جامعة بمعلم، رئيس أركان بمكتب مكيف وسيارات بجندي غر بخط المواجهة الأول، اثنين في الجيش مسافة كبيرة جداً، وازنت بين عملين في الجيش، عملين في التجارة، عملين في التعليم، عملين في الصحة، بيتين ثم ذكرت له قوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [ سورة الإسراء: 21] حدثني أخ مهندس قال لي: يوجد حنفية في بيت ثمنها يساوي ثمن بيت، ثمن حنفية في بيت يساوي ثمن بيت، يوجد بيوت؛ أنا زرت قصر دولما بهجت في استنبول قاعة استقبال السلاطين مساحتها ألفين متر مربع، فيها ذهب خمسة طن، هذا بيت أيضاً، وترى في البادية خيمة هذا بيت أيضاً لا يوجد به شيء أبداً، الآية: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ [ سورة الإسراء: 21] مراتب الدنيا مؤقتة وقد لا تعني شيئاً لكن مراتب الآخرة أبدية وتعني كل شيء : لكن مراتب الدنيا مؤقتة مربوطة بنبض القلب توقف انتهى، مربوطة بقطر الشريان التاجي انسد انتهى، مربوطة بسيولة الدم تجمد انتهى، مربوطة بنمو الخلايا نمت نمواً عشوائياً انتهى الإنسان، مراتب الدنيا مؤقتة وأقول كلمة لعلها قاسية ولا تعني شيئاً عند الله بل قد تعني العكس، بل حرف تقليل قد تعني العكس، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ سورة الأنعام: 44] مراتب الدنيا مؤقتة وقد لا تعني شيئاً وقد تعني العكس ويوجد معها كآبة دائماً لكن مراتب الآخرة أبدية وتعني كل شيء، وتعني أن صاحبها في أعلى مقام عند الله، لذلك المفروض أن نسعى إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، لذلك الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، أضرب مثلاً: عاش رجلان عمراً واحداً، ستين بستين، إذا إنسان دخله أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد، وبيته بالأجرة، كيف يعيش هذا؟ والآخر يملك ثلاثة وثمانين مليار دولار، عمره أربعون سنة، وعاش ستين سنة فرضاً، والاثنان ماتوا، لو أن الفقير فرضاً نجح في مرض الفقر، ولو أن الغني رسب في امتحان الغنى انقلبت الآية، هذا في جنة إلى أبد الآبدين، وهذا في النار إلى أبد الآبدين معنى هذا الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء. أخوانا الكرام، ملاحظة دقيقة جداً، إن ذكرت الأغنياء والله الذي لا إله إلا هو لا أقصد إلا الأغنياء الشاردين عن الله، الأغنياء العصاة لله، لكن والله إن رأيت غنياً مؤمناً، والله تشتهي الغنى منه من سخائه، من بذل ماله، من تواضعه، من حل مشكلات المسلمين، والغنى قوة كبيرة في الحياة، العلم قوة، والغنى قوة، والمنصب قوة، والمؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ )) [متفق عليه عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ] الغني والعالِم من أركان الدنيا : والله مرة حضرت حفل ختام مسابقة قرآن كريم، وألقيت كلمة والله أبكت الجميع، المتكلم قال: أشكر هؤلاء الطلاب الصغار الذين أقبلوا على حفظ القرآن الكريم فهم رياحين الجنة وقال: أشكر هؤلاء المعلمين الذين جهدوا في تعليمهم وبيان أحكام القرآن لهم، وأشكر هؤلاء العلماء المحكمين الذين امتحنوهم، وأشكر هؤلاء الأغنياء الذين تبرعوا لكل حافظ لكتاب الله بعمرة وعشرة آلاف ليرة، وقال: المال شقيق الروح. فيمكن أن ترقى إلى الله بعلمك، ويمكن أن ترقى بمالك، ويمكن أن ترقى بجاهك، بمنصبك، إذا أحققت الحق وأبطلت الباطل، فأنا حين أذكر الأغنياء والله لا أقصد إلا الغني الفاسق، الغني الجاهل، الغني المتغطرس، الغني المتكبر إن أنفق ماله أنفقه كبراً وزهواً، وإن مَنعه منعه بخلاً وتقتيراً، فأنا حينما أذكر الأغنياء لا أقصد إلا من كان شارداً، من كان تائهاً، من كان لله عاصياً، أما المؤمن والله تشتهي الغنى منه لتواضعه، ومن سخائه، ومن رأفته بالناس، وتشتهي الفقر من الفقير لعزة نفسه، وتجمله، وإبائه أن يأخذ من غني، وتشتهي من كان في أعلى مستوى ثقافي لأن ثقافته في خدمة الحق، وتشتهي من كان تحصيله محدوداً لكنه طيب القلب، فكلمة مؤمن لا يضاف عليها ولا كلمة أما إذا قلنا غني فينصرف الذهن إلى غني فاسق، إلى غني عاص لله عز وجل، لكن ليس الغني الشاكر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بأقل أجراً من الفقير الصابر، له أجر كبير، ماذا أفعل يقول سيدنا بن عوف: إذا كنت أعطي مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء، الغني من أركان الدنيا والعالم من أركان الدنيا. يقول الإمام علي كرم الله وجهه: قوام الدين والدنيا أربعة رجال، عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره. رجل أقول لكم ملحد، ملحد ويدعو إلى الإلحاد، أصاب ابنته مرض عضال، طرق جميع الأبواب لم يجبه أحد إلا رجلاً من أصدقائه، قال له: اذهب إلى المسجد الفلاني، كان في المسجد إمام وخطيب، أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، لم يقل لهذا الخطيب: إن هذا الإنسان ملحد، بل إنه إنسان ابنته مريضة يحتاج إلى مساعدة، الأمر كان قديماً غير منضبط، ففي خطبة قال هذا الخطيب: يا أخوان، لكم أخ ابنته مريضة يجب أن نجمع له بعض المال، جمع لهذا الإنسان مبلغاً من المال، وأخذ ابنته، وعالجها في بلد غربي، وشفاها الله عز وجل، بعد أن عاد من هذا البلد الغربي لزم المسجد، وصار مؤمناً. فإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره، إذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، إذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره. أمراض أخرى للقلب : أيها الأخوة، أكبر مرض يصيب القلب الخطأ في التصور، تصور إذا الله أعطاني الدنيا معنى هذا أن الله يحبني، يحبني إذا كنت مطيعاً له فقط والدنيا مادامت تعطى ولا تعطى، تعطى للمؤمن وقد لا تعطى له، وتعطى للكافر وقد لا تعطى له، إذاً ليست مقياساً، هذا خطأ في التصور، أن أتصور إذا أقبلت الدنيا فهذا دليل محبة الله، وإن أدبرت فهذا دليل أن الله قد أهانني، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن*ِ كَلَّا ﴾ [ سورة الفجر: 15-17] فهذا مرض من أمراض القلب أن تخطئ التصور، يوجد مرض ثاني أن تخطئ السلوك أن تحدثك نفسك بمعصية أن تمارس شهوة لا ترضي الله هذا مرض ثان، المرض الثالث من أمراض القلب أن يقهر عدو مسلماً، فالمسلم لخطأ في تصوره يظن أن الله تخلى عنه ولا يحبه، لا، الله عز وجل قال: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة التوبة: 14] بالنصر، معنى كان عنده شعور أن الله تخلى عنه هذا مرض، ولما قال عليه الصلاة والسلام: إنما شفاء العين السؤال، معنى هذا إذا في نقطة غامضة في ذهنك هذا مرض في القلب، وأختم هذا الدرس بأن الله عز وجل حينما قال: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [ سورة الشعراء:88-89] القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة تغضبه، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله. الانتصار الحقيقي أن تكون ثابتاً على المبدأ : هذا الكلام نحتاجه الآن، ليس الانتصار أن تكتسح أرضاً، ولا أن تقهر شعباً، ولا أن تبتز مالاً، ولا أن تقعد على منابع النفط، وليس الانتصار أن تذل الآخرين هذا الانتصار بمقياس الأرضي، ولكن الانتصار الحقيقي أن تكون ثابتاً على المبدأ كأصحاب الأخدود، أن تموت مؤمناً، أن تموت موحداً، أن تموت طائعاً لله عز وجل. هذه المفهومات خطيرة جداً في حياتنا إن استوعبناها ارتفعت معنوياتنا، وشعرنا أننا عند الله بمكان، والنبي عليه الصلاة والسلام ذاق الفقر هل عندكم شيء، بربكم هل في بيوتات المسلمين اليوم بيت ما فيه شيء يؤكل إطلاقاً؟ مستحيل، قال: أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم، وأذاقه الله الغنى، قال له أحدهم: لمن هذا الوادي؟ وادي من غنم، قال له: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله. أذاقه الله النصر، فدخل مكة مطأطئ الرأس، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل. وأذاقه القهر في الطائف قال: ربي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبة حتى ترضى. وأذاقه أن تتهم زوجته بالزنا هذه قليلة؟ يتحملها أحدكم هذه؟ حديث الإفك. أذاقه موت الولد قال: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا)) [ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] أذاقه الهجرة، أنت في بلدك لك مكانة كبيرة، كل شيء يأتيك إلى البيت في الهاتف، لو ذهبت إلى بلد بعيد، لا يعرفك أحد، ما الهجرة؟ اقتلاع الجذور، أذاقه الهجرة. أذاقه أن تطلق ابنته، طلقت ابنته، ومات ابنه، وترك منزله وقال: أوذيت في الله وما أوذي أحد مثلي، وخفت وما خاف أحد مثلي، ومضى علي ثلاثون لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال. لك أسوة حسنة في هذا النبي الكريم، نحن في أمس الحاجة إلى هذه الدروس، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 139] ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 146 ] أرجو الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

مخالفة مانع الإعلانات

نأسف متصفحك يقوم بعمل تعطيل للأعلانات وهذا هو مصدر رزقنا برجاء تعطيل إضافة الحجب والتصفح , لن تسطيع رؤية الصور والفيديوهات بدون تعطيل الحجب