الشباب في غزوة بدر

[FONT=Arial] الشباب هم أول من آمن وناصر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكان منهم العشرة المبشرون بالجنة، فأبو بكر الصديق وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ كانا دون الأربعين حين آمنا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأمَّا عمر وعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنهما ـ فكانا في نحو الثلاثين، وأمَّا على ـ رضي الله عنه ـ فكان في نحو العاشرة من عمره، وأبو عبيدة بن الجراح في نحو العشرين من عمره، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد ـ رضي الله عنهم ـ دون العشرين، بل كان سعد بن أبى وقاص ـ رضي الله عنه ـ ابن سبع عشرة سنة، وكان ابن مسعود شابًا صغيرًا دون العشرين يوم أسلم ـ، ـ رضي الله عنهم ـ أجمعين ..

ومن المعلوم أن غزوة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، وقد عُرِفت في القرآن الكريم بيوم الفرقان، لأنها فرقت بين الحق والباطل، قال الله تعالى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(الأنفال: من الآية41)، وكل انتصارٍ للمسلمين سيظل مديناً لبدر، التي كانت بداية الفتوح والانتصارات الإسلامية .
وفي غزوة بدر ظهر دور الشباب في مواقف بطولة وشجاعة، وتضحية وفداء، وحب ونصرة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي كثيرة ، منها :

مبارزة وشجاعة :

سبق القتال والتلاحم في هذه الغزوة المباركة مبارزة، فقد خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وطلبوا المبارزة وخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار، ولكن رفضوا مبارزتهم وقالوا أكفاء كرام مالنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا .
عن حارثة بن مضرب ـ رضي الله عنه ـ عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: ( تقدم يعني عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز، فانتدب له شباب من الأنصار، فقال من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة ) رواه أبو داود .

تنافس في الجهاد والشهادة :

في ” سِيَّر أعلام النبلاء ” للذهبي: عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ” ردَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمير بن أبي وقاص عن بدر، استصغره، فبكى عمير، فأجازه، فعقدت عليه حمالة سيفه، ولقد شهدت بدرًا وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي ” .
وأخرج ابن سعد عن الواقديّ، من رواية أبي بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه، قال: ” رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج، لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعُرِض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستصغره فردّه، فبكى فأجازه، فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره، فقُتِل وهو ابن ست عشرة سنة ” .

مقتل أبي جهل ( فرعون هذه الأمة ) :

عن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ قال : ( بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟، قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟، قال:أُخبِرْت أنه يسب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا . قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال:فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كلاكما قتله ) رواه البخاري .

قال ابن حجر: ” وهما معاذ بن الجموح، ومعاذ بن عفراء “، ثم قال: ” وعفراء والدة معاذ، واسم أبيه: الحارث، وأما ابن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء، وإنما أطلق عليه تغليبًا “.

وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر : ( من ينظر ما فعل أبو جهل؟، فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال : أنت أبا جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه؟، أو قال : قتلتموه ) رواه البخاري .

لقد كان أبو جهل شديد الأذى للمسلمين في مكة، وكم لاقى المسلمون من إيذائه واستهزائه، وظل مستكبراً جباراً حتى وهو صريع وفي آخر لحظات حياته، فشاء الله تعالى أن يكون مصرع هذا الطاغية على يد غلامين صغيرين، وأحد المستضعفين من المسلمين، إذ أبقاه الله مصروعاً في حالة من الإدراك والوعي ـ بعد ضربه من الشابين الصغيرين ـ ليريه بعين بصره ما بلغه من المهانة والذل على يد شباب صغار، ومن كان يستضعفه ويؤذيه ويضطهده بمكة وهو عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ .

ومعلوم أن الدافع من حرص الأنصاريين الشابين على قتل أبي جهل ما سمعاه من أنه كان يسب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وهكذا بلغت محبة شباب الأنصار لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى بذل النفس في سبيل الانتقام ممن تعرض للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأذى .

وسام شرف :

لا مفاضلة بين شباب بدر وشيوخها، فكل من اشترك في بدر له دوره ومنزلته، ودرجته وفضله، وحسبهم أن الله رفع ذكرهم وغفر ذنبهم .. فمنهم من أكرمه الله بالشهادة ففاز بخيري الدنيا والآخرة، ومنهم من طال به العمر فما غيَّر ولا بدَّل، وصدق الله العظيم إذ يقول: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 23)، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم وسام شرف على صدر كل من شارك في غزوة بدر ـ صغارا وكبارا – فقال: ( لعل اللهَ اطلع إلى أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم، فقد وجبتْ لكم الجنةُ، أو فقد غفرتُ لكم ) رواه البخاري.

إن السيرة النبوية بأحداثها وتفاصيلها مدرسة تربوية متكاملة، لما تحمله بين ثناياها من الفوائد الكثيرة والدروس العظيمة، وغزوة بدر هي إحدى الغزوات المليئة بهذه الدروس، والتي منها إبراز دور الشباب، وجهاده وبذله في نصرة الإسلام، فجدير بشبابنا أن يأخذوا من أسلافهم العظة والعبرة ..

[/FONT]
Exit mobile version